الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

298

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

المعترض والقول بحصول ذلك الشرط في جميع الموارد حتى يرد عليه أن الشرط المذكور هو الظهور دون مجرد الاحتمال بل اضرب عما ذكره حيث إن الاشتراط المذكور لا ربط له بدفع الاعتراض فتبين أن المدعى عدم وجدان صورة لا يحتمل فائدة من تلك الفوائد ومجرد الاحتمال المذكور كاف في الاستغناء عن خصوص الفائدة المذكورة ويحصل به الصون عن لزوم اللغو وإن لم يكن تلك الفائدة ظاهرة فالفائدة المفروضة وإن لم يكن متحقق الحصول أيضا إلا أن مجرد احتمالها في المقام كاف في دفع الحكم بغيرها لدفع محذور اللغوية فيحتاج إذن إثبات ما سواه إلى قيام دليل آخر قوله وإنما هو كونه بيانا للواضحات فيه أنه لو كان السبب ذلك لجرى مع انتفاء التقييد وليس كذلك فلو كان الاستهجان المذكور من الجهة المذكورة لكان قوله الإنسان لا يعلم الغيب مثله في الاستهجان وليس ذلك قطعا فإن الحكم المذكور وإن لم يخل عن غضاضة توضيح الواضح إلا أن في صورة التقييد غضاضة أخرى أعظم منها ويعد الكلام من جهتها مستهجنا عرفا كما لا يخفى [ في سائر أدلتهم . ] ثم إن للقول المذكور حججا أخرى لا بأس بالإشارة إليها منها أن أبا عبيدة القاسم بن سلام من أجلاء أهل اللغة وقد قال بدلالة المفهوم في المقام حيث ذكر في بيان قوله عليه السلام لي الواجد يحل عقوبته وعرضه أنه أراد به أن من ليس بواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته وقال في قوله عليه السلام مطل الغني ظلم إن مطل غير الغني ليس بظلم وقال في قوله صلى اللَّه عليه وآله لأن يمتلئ بطن أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا وقد قيل إنما أراد من الشعر هجاء الرسول صلى اللَّه عليه وآله فقال لو كان ذلك المراد لم يكن لتعليق ذلك بالكثرة وامتلاء فإن القليل من ذلك ككثيره وأجيب عنه بأنه مجتهد في ذلك ولا يكون اجتهاده حجة على غيره من المجتهدين المخالفين له ولو سلم كون ذلك نقلا عن أهل اللغة فهو من نقل الآحاد فلا ينتهض حجة في إثبات مثل هذه القاعدة اللغوية وبأنه معارض بمذهب الأخفش حيث حكي عنه إنكار المفهوم المذكور وهو أيضا من أهل اللغة وبأنه لا دلالة في كلامه على فهمه نفي الحكم عن فاقد الصفة من مفهوم الوصف فلعله فهم ذلك من جهة الأصل واختصاص النص بغيره لا لدلالة اللفظ على نفيه والجميع مدفوع أما الأول فبأن كثيرا مما ذكره أهل اللغة وعلماء العربية مبني على اجتهاده وقد جرت الطريقة على الرجوع إلى أقوالهم لكونهم من أهل الخبرة وانسداد سبيل العلم إلى المعاني اللغوية غالبا من غير جهتهم فلا مناص من الرجوع إلى كلامهم حسب ما قرر في محله أو يقال إن الأصل في جميع ما يذكرونه من اللغة البناء على النقل حتى يتبين الخلاف وإلا سقط الرجوع إلى كلامهم وفيه سدّ لباب إثبات اللغات ومخالف لما اتفقت الكلمة عليه من الاحتجاج بكلامهم والرجوع إلى كتبهم وأما الثاني فموهون جدا فإن المدار في إثبات اللغات على نقل الآحاد وأما الثالث فبأن المثبت مقدم على النافي في مقام التعارض هذا إن ثبت الحكاية المذكورة على الأخفش فقد يستفاد من العضدي إنكاره لذلك وأما الرابع فإن ما حكى عنه في غاية الظهور في فهم ذلك من التعليق بالوصف سيما ما حكي عنه في الرواية الأخيرة والأظهر في الجواب عنه ما عرفت من حصول الإشعار في التعليق المذكور وأنه يبلغ درجة الدلالة بعد قيام أدنى شاهد عليه والظاهر حصوله في الأخبار المذكورة نظرا إلى مناسبة الوصف وأن الظاهر عدم ملاحظة فائدة أخرى في التعليق المفروض سوى انتفاء الحكم بانتفائه وقد مرت الإشارة إلى ذلك ومنها ما حكي عن ابن عباس من منع توريث الأخت مع البنت احتجاجا بقوله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ففهم من تقييد توريث الأخت بعدم الولد الصادق على البنت عدم توريثها مع وجودها وهو من فصحاء العرب وترجمان القرآن وأجيب عنه باحتمال استناده في ذلك إلى الأصل واستصحاب النفي الأصلي بعد اختصاص الآية في الصّورة المذكورة ويدفعه أنه لا وجه لإجراء الأصل في المقام للعلم بانتقاله من الميت إلى أحد الشخصين فعند دورانه بينهما لا وجه لتعيين أحدهما من جهة الأصل فليس الوجه فيه الاستناد إلى الأصل ويجري فيه أيضا سائر الإيرادات المتقدمة وأجوبتها والحق في الجواب أن ذلك استناد إلى مفهوم الشرط لكون الشرط في ظاهر الآية مجموع القيد والمقيد الحاصل رفعه برفع القيد المذكور ومع الغض عن ذلك وقد يكون فهمه ذلك من جهة ملاحظة المقام وقد عرفت أن ذلك غير بعيد بعد شهادة المقام به ومنها أن المتبادر عرفا فيما لو قاله لوكيله اشتر لي عبدا أسود عدم الشراء للأبيض فلو اشترى الأبيض لم يكن ممتثلا وكذا لو قال لزوجته أنت طالق عند دخولك الدار فهم انتفاء الطلاق مع عدم الدخول في الدار وبأصالة عدم النقل يثبت كونه كذلك لغة ويدفعه أن عدم جواز شراء غير ما يصفه إنما هو لعدم شمول الوكالة له فلا يتحقق الوكالة بالنسبة إليه إلا لدلالة العبارة على نفي الوكالة فيه وكذا الحال في الطلاق فانفهام ذلك إنما هو من جهة الأصل المقرر في الأذهان بعد اختصاص اللفظ بغيره ولا ربط لذلك بدلالة المفهوم وبعبارة أخرى إنما يفيد ذلك عدم شمول الحكم المذكور في الخطاب المفروض لغير الأسود فلا يجب عليه شراء غير الأسود بهذا الخطاب وهو مما لا كلام فيه قد اتفق عليه القائلون بحجية المفهوم ومنكروها ولا ربط له بدلالة المفهوم والقدر المسلم من التبادر في المقام هو هذا المقدار وأما دلالته على عدم وجوب شراء غير الأسود مطلقا وعدم كونه مطلوبا له رأسا ليفيد الكلام حكمين أحدهما إيجابي والآخر سلبي فلا ودعوى تبادره في المقام ممنوعة وهو ظاهر ومنها أن الغالب في المحاورات سيما في كلام البلغاء إرادة المفهوم من الأوصاف وقصد الاحتراز من القيود فالظن يلحق المشكوك بالأعم الأغلب وفيه أن إرادة الاحتراز من القيود وصفا كانت أو غيرها لا ربط لها بدلالة المفهوم حسبما مرت الإشارة إليه فإن قضية ذلك إخراج الوصف المذكور ما ليس بتلك الصفة عن مدلول الكلام فلا يشمله الحكم المذكور ولا يفيد ثبوته له ولا دلالة فيه على عدم ثبوت ذلك الحكم له بحسب الواقع كما هو المدعى إلا مع قيام قرينة عليه كما إذا ورد ذلك في الحدود حيث إنه يعتبر فيها المساواة للمحدود فلو كان المحدود صادقا في الواقع مع انتفاء الوصف وغيره من القيود المأخوذة في الحد لم يكن الحد جامعا فلا يصح التحديد فيقوم ذلك شاهدا على إرادة المفهوم هناك ودعوى كون الغالب إرادة المفهوم عند ذكر الأوصاف محل منع ولو سلم فأقصى الأمر حصول الأغلبية في الجملة وبلوغها إلى درجة تقضي بانصراف الإطلاق إليه محل منع ومنها أنهم اتفقوا على كون الوصف من المخصصات كالشرط والغاية